الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

      الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا |                                                                                                                  

موفق نيسكو

موفق نيسكو الباحث والمؤرخ في التاريخ السرياني

اقرأ المزيد...

 


تَخبُّط روما باسمي الكلدان والآشوريين المُنتحلين ج1

من المعروف أن الكلدان والآشوريون الحاليين الجدد لا علاقة لهم بالقدماء، إنما هم سريان انتحل لهم الغرب اسمي آشوريين وكلدان لأغراض سياسية وطائفة وعبرية لأنهم من الأسباط العشرة من بني إسرائيل الذين سباهم العراقيون القدماء، وكانت لغة اليهود المسبيين هي الآرامية (السريانية) وعندما جاءت المسيحية اعتنقوها تحت رئاسة كنيسة أنطاكية السريانية، وسنة 497م اعتنقوا المذهب النسطوري وانشقوا عن أنطاكية، لكن اسمهم بقي سريان، وسُمِّيوا نساطرة أيضاً، وفي 7 أيلول 1445م،جحد طيمثاوس مطران قبرص الإيمان النسطوري واعتنق الكثلكة فأمر البابا أوجين الرابع تسمية كنيسته الكلدان بدل السريان النساطرة، لكن الاتفاق مات حينها حيث عاد طيمثاوس ورعيته إلى النسطرة، ثم تردد اسم الكلدان بصورة متقطعة وثبت رسمياً في 5 تموز 1830م، أما القسم الثاني النسطوري فسمته انكلترا آشوريين سنة 1876م، وثبت أسمهم رسمياً في 17 تشرين أول 1976م.

 سنة 1553م انشق شمعون الثامن يوحنا سولاقا مع كثيرون هذه المرة وبصورة جدية عن كنيسة السريان الشرقيين النساطرة وأصبحوا كاثوليكياً واتحدوا بروما التي كانت تجهل أخبار ووضع السريان الشرقيين، فعندما رسمت سولاقا كأول بطريرك كاثوليكي في العراق، لم تُسَمهِ، كلداني، بل بطريرك الموصل أو أثور، والسبب أن أحد أسماء مدينة الموصل الجغرافية بالسريانية، هو أثور، والمهم أن روما اعتقدت أن بطريرك الموصل النسطوري برماما قد توفي، وترمَّلت أبرشية الموصل، علماً أن البطريرك برماما كان لا يزال حياً وتوفي سنة 1558م. وهذه هي الوثيقة الأصلية من أرشيف الكنيسة الكلدانية، وتعليق الأب بطرس حداد عليها).

 ويوحنا سولاقا ليس أول بطريرك كاثوليكي في تاريخ العراق فحسب، بل هو أول عراقي كاثوليكي في التاريخ، وقد قام سولاقا بنقل مقره من ألقوش في العراق إلى ديار بكر في تركيا خوفاً من النساطرة، وفعلاً اغتاله البطريرك النسطوري برماما سنة 1555م، وسُمِّي شهيد الاتحاد (أي الاتحاد مع روما)، وانشقت الكنيسة بعد سولاقا إلى ثلاثة أقسام، الشمعونيون والإيليون واليوسفيون، واختلط الحابل بالنابل أكثر، ولأن الاسمين الآشوري والكلداني مُنتحلين وغير حقيقيين، فقد اختلط الاسمان على كثيراً من الرحالة، بل حتى روما نفسها كانت تجهل الأسماء وتتخبط بها، وهي موضوعنا.

 يقول البطريرك الكلداني عمانوئيل دلي (2003-2012م): إن لقب جاثليق أو بطريرك الموصل في أثور (الذي أطلق على سولاقا) بقي مستعملاً حتى أواخر القرن السادس عشر تقريباً، وعندما بدأ المرسلون والرحَّالة الغربيون يجوبون بلادنا ويطلعون أكثر فأكثر على تقاليدها وكنائسها وأصالة تراثها، كتبوا تقارير عن ما رأوا واطلعوا عليه من المعلومات التاريخية والدينية والجغرافية، جاء فيها الغث والسمين، فقد أخطأوا عندما ظنوا أن بغداد، هي بابل، وأن البطريرك الجالس في دير الربان هرمز (ألقوش) قرب آشور، وحالياً الموصل، هو في ديار بابل، فخلطوا الحابل بالنابل، وخبطوا بين الجنوب والشمال، وهكذا ابتدأ قليلاً فقليلاً اسم بابل يعلو ويتغلب على بقية الأسماء، لأنه اسم قديم ومشهور في الكتاب المقدس، وبابل هي عاصمة الكلدان، فباشرت روما استناداً إلى التقارير التي تصلها والتي تحمل اسم الديار البابلية منذ نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر تُطلق على البطريرك اسم بطريرك بابل على الكلدان، وهذه الألقاب ناجمة برأينا عن قلة خبرة العاملين في الدوائر الرومانية آنذاك.

ويضيف البطريرك دلي قائلاً: إن البابا بيوس الرابع كتب سنة 1565م إلى البطريرك عبديشوع الجزري خليفة سولاقا الكاثوليكي يُلقَّبه "بطريرك الآشوريين أو الموصل، أي بطريرك الموصل في أثور الشرقية"، لكن في صورة إيمان عبديشوع الجزري نفسه المحررة في روما سنة 1562م يلقِّب نفسه: بطريرك آمد (ديار بكر) في ديار المشرق التي هي آشور. (البطريرك الكلداني عمانوئيل دلي، المؤسسة البطريركية في كنيسة المشرق، ص143-145. وانظر للبطريرك دلي نفس المقال تقريباً، مجلة بين النهرين 1989م، ص21).

 ونتيجة لاختلاط الحابل بالنابل كما يقول البطريرك، أصبح كل واحد من البطاركة يُسَمِّي نفسه ما يعجبه، أمَّا روما نفسها فكانت جاهلة ومحتارة بماذا تُسَمِّيهم، لذلك من الطريف أنها سَمَّت سولاقا الكاثوليكي +1555م، وبعض خلفاءه الذين تنحدر منهم الكنيسة الكلدانية الحالية "بطريرك أثور، أي الموصل"، بينما سَمَّتْ خلفاء برماما النسطوري +1558م الذين تنحدر منهم الكنيسة الآشورية الحالية، "بطريرك بابل"، أي عكس المطلوب تماماً، ويقول البطريرك ساكو: الجدر بالذكر إن رئاسة الكنيسة الآشورية الحالية تنحدر من خط سولاقا (يقصد كنيسة الآشوريين تنحدر من خط الذين سمتهم روما كلداناً)، في حين تتواصل سلسلة كنيسة الكلدان مع خط ألقوش- الموصل النسطوري (يقصد كنيسة الكلدان تنحدر من خط الكنيسة التي سمَّاهم الإنكليز آشوريين). (البطريرك لويس ساكو، خلاصة تاريخ الكنيسة الكلدانية، ص36).

 والبطريرك إيليا السابع (1591–1617م) المتأرجح بين الكثلكة والنسطرة، في الرسالة التي وجهها إلى البابا بولس الخامس، يُلقِّب نفسه "بطريرك بابل"، ومع ذلك وقَّع نهاية الرسالة: أنا إيليا بطريرك المشرق، وليس بابل.( البطريرك الكلداني عمانوئيل دلي، المؤسسة البطريركية في كنيسة المشرق، ص145).

 والبطريرك شمعون دنحا (1581-1600م)، بعث معاونه المطران إيليا هرمز حبي اسمر إلى روما وقدَّم تقريراً باسم البطريرك جمع فيه كل الأسماء ليخلط الحابل بالنابل فعلاً، حيث جاء في مطلعه: أنا إيليا رئيس أساقفة آمد (ديار بكر) في بلاد ما بين النهرين، كلداني من أثور.

أمَّا مبعوث روما إلى الشرق لتقصي الحقائق مطران صيدا اللاتيني ليوناردو هابيل فقد رفع تقريراً لبابا روما غريغوريوس الثالث عشر سنة (1583–1585م) يُسَمِّي الرعية، مرة الأمة النسطورية، وتارة كلدانية، وأخرى كلدان أثور، وأن المقصود بأثور هو مدينة الموصل في بلاد بابل، إذ يقول: زرت بطريرك الأمة الكلدانية في أثور، وأولئك من الأمة النسطورية الذين يسكنون مدينة آمد وسعرد ومدن أخرى، تمردوا على بطريركهم الساكن في دير الربان هرمـز قرب مدينة أثور التي تُسَمَّى اليوم، الموصل- في بلاد بابل، فأطلقوا على أنفسهم اسم، كلدان أثور الشرقية. (المطران الكلداني سرهد جمو، كنيسة المشرق بين شطريها، مجلة بين النهرين، 95–96، 1996م، ص196-197).

 والبطريرك يوسف الأول (1667–1696م)، وبعده يوسف الثاني معروف، لُقَبَ، كلداني فقط، بدون بابل، لكن خلَفهما يوسف الثالث (1713–1757م)، لُقِّبَ، بطريرك بابل فقط، بدون الكلدان.(ألبير أبونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، ج3 ص237، وانظر البطريرك دلي، المؤسسة البطريركية في كنيسة المشرق، ص145. (ملاحظة) إن ألقاب البطاركة لم تكن ثابتة في كل الوثائق، فنحن نتكلم ربما عن وثيقة أو وثيقتين فقط وردت فيها هذه الألقاب).

  وفي 29 حزيران 1617م كتب البابا بولس الخامس رسالتين في نفس اليوم، الأولى إلى البطريرك شمعون (1600-1638م) خليفة سولاقا الكاثوليكي الذي تنحدر منه الكنيسة الكلدانية الحالية، يُسَمِّيه، "بطريرك الآشوريين"، والثانية عِبَر توما دي نوفاري مبعوث روما الفرنسيسكاني الموجود في الشرق لكي يوصلها إلى البطريرك النسطوري إيليا (1591-1617م) خليفة البطريرك برماما النسطوري الذي تنحدر منه كنيسة الآشوريين الحاليين، ويُسَمِّيه البابا "بطريرك بابل"، أي بالعكس، والطريف أن البطريرك إيليا هذا الذي كتب له بابا روما كان قد توفي في 26 أيار 1617م، لكن روما لم تكن تعلم ذلك. (المصدر السابق، ج3 ص148، 154.علماً في ص148 أخطأ الأب ألبير أبونا بتسميته إيليا، الثامن، والصحيح هو السابع كما ذكره هو ص150 وبعدها).

 علماً أن المقصود بأثور وبابل هما الموصل وبغداد، كما مر بنا، فعمانوئيل دي سانت ألبرت، النائب الرسولي لكنيسة روما في بغداد سنة 1749م لمتابعة شؤون الكاثوليك، تُسَمِّيه روما: النائب الرسولي في بابل (الكاردينال أوجين تيسران، خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية، ص132).

 ما يبرهن جهل روما والبابا وجين الرابع بالذات عن مسيحيّي الشرق وأسمائهم أن البابا اعتقد بوجود إمبراطور مسيحي في الهند، فأرسل مبشرين سنة 1439م ورسالة إلى ملكهم يقول فيها: إلى ولدي الحبيب كثيراً في المسيح إمبراطور الهند الجليل توماس، مع العلم أنه لا يوجد هكذا إمبراطور للهند لا مسيحي ولا هندوسي.(E.M. Philip, The Indian Church of St. Thomas. فيلبس، كنيسة القديس توما الهندية، 1950م، ص102-103، علماً أن البابا أوجين الرابع هو أول من أمر بتسمية السريان النساطرة كلداناً).

 يقول المطران الكلداني سرهد جمو: إن روما اعتقدت بناءً على ما عُرض عليها حينها أن رئيس الدير يوحنا سولاقا انتُخبَ خلفاً للبطريرك النسطوري شمعون برماما على أساس أن الأخير قد توفي، فظنَّت روما أنها أبرمت الاتحاد القانوني مع كنيسة المشرق قاطبةً، وإذ ثبت لدى روما لاحقاً أن برماما (النسطوري) لا يزال حياً يُرزق، وجدت نفسها أمام واقع جديد هو انقسام المشرق إلى مجموعتين، عائلة أبونا النسطورية، والمجموعة الكاثوليكية برئاسة خلفاء سولاقا، وقد كانت تلك الفترة صراع حاد بين سلالتين، لذلك في آذار 1610م كتب البطريرك إيليا النسطوري إلى البابا بولس الخامس يُسَمَّي نفسه، إيليا بطريرك بابل، ويعتقد جمو أن هذه أقدم وثيقة فيها ذكر بابل، ويُدرج المطران جمو جدول بسلسلة جثالقة كرسي المشرق يُبين فيها التخبط والاختلاط بين السلالتين، علماً أنه نتيجةً للتخبط، فالمطران سرهد جمو نفسه أخطأ في الجدول، فقمتُ بتوضيحه وتصحيحه (سرهد جمو، كنيسة المشرق، مجلة بين النهرين 1996م، ص197-198. وسلسة المطران مُقاربة لسلسلتي في الملحق نهاية الكتاب، لكني أُوكِّد أن تفصيلي أكثر وضوحاً ودقة).

وسنتناول المطران المُتكلدن سرهد جمو وندرج جدوله الذي صححناه في مقال مستقل بعد الجزء الثاني من مقالنا هذا.

وشكراً/ موفق نيسكو

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها