الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

      الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا |                                                                                                                  

موفق نيسكو

موفق نيسكو الباحث والمؤرخ في التاريخ السرياني

اقرأ المزيد...

 


تاريخ الدولة الكلدانية (قبيلة كلدة الآرامية) ج2

اليهود ودانيال النبي واليونان، سَمَّوا دولة بابل الأخيرة، كلدانية

إن اليهود في أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس والنبي دانيال بالذات ثم اليونان هم من سَمَّى الدولة البابلية الأخيرة القصيرة (73 سنة، وعملياً عصر نبوخذ نصر 43 سنة فقط) ب "الدولة الكلدانية"، وليس عائلة نبوخذ نصر هي التي سَمَّتها كلدانية، وفي جميع أسفار العهد القديم يرد اسم الكلدان بصيغة (كسديم) كصفة بمعنى: غزاة، فاتحين، باستثناء النبي دانيال الذي استعمل اسم الكلدان كمهنة بمعنى: عرَّافين، سحرة، كهَّانة، وربطَه دائماً مع السحرة والمجوس ومفسري الأحلام، لأن قبيلة نبوخذ نصر اشتهرت بالسحر والكهَّانة، وكان في الدولة عرَّافين وسحرة وكهنةكثيرين، وكلمة كلدان تعني: مُنجِّم، ساحر، عرَّاف، مشعوذ، في اللغة السريانية (الآرامية) التي كانت لغة اليهود ودانيال في زمن نبوخذ نصر، فأخذ اليونان كلمة كلدان السريانية بمعناها واستعملوها على دولة نبوخذ نصر وعلى كل مُشتغل بالتنجيم والفلك، فراج اسم الكلدان على يد اليهود واليونان. (كلمة كلدان في النص العبري هي كسديم، بمعنى غازي، لص، لكن النبي دانيال استعملها كاسم مهنة، بمعناها السرياني، عرَّاف، ساحر، واستعملها اليونان بهذا المعنى لتعني المشتغلين بالتنجيم والفلك، وسنة 280 ق.م. ترجم اليهود كل كلمة كسديم من النص العبري إلى كلداني في النص اليوناني، ويبدو أن اليونان أخذوا الكلمة من السريان (الآراميين) حيث كانت لغتهم قد أصبحت دولية، فكلمة كلداني بالسريانية لها مصدر وفعل واسم مكان، بنفس معناها، بينما لا يوجد لها تصريف باليونانية، وبعد الميلاد أيضاً وفي القرن الثاني الميلادي قام السريان بترجمة العهد القديم الشهيرة المُسَمَّاة (البسيطة)، فترجموا كل كلمة كسديم أيضاً إلى كلداني).

يقول البطريرك السرياني العلاَّمة يعقوب الثالث البرطلي +1980م: إن الذين عُرفوا كلدانيين إبان المملكة البابلية على رأي بعض العلماء هم آريون كانوا كهَّاناً للبابليين استطاعوا بنفوذهم الديني فرض اسمهم على المملكة البابلية حيناً، وقد ورد ذكرهم في سفر دانيال 2: 2، بين السحرة والمنجمين الذين دعاهم نبوخذ نصر لتفسير أحلامه. (آراءٌ فائلة وافتراءةٌ باطلة، ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى، بغداد 2011م، ص75).

وأصبح اسم الكلدان خاصاً باليهود العبرانيين فيما بعد، بل أصبح العبرانيون اليهود يرد اسمهم بالكلدان، (انظر مقالنا: مصطلح لغة وحروف كلدانية يعني، عبرية، والكلدان هم العبرانيون الإسرائيليون).   

 فاليهود هم الذين أعطوا شهرة لاسم الكلدان، ومعروف أن أخبار نبوخذ نصر كانت محصورة في العهد القديم، وسبب تبني واستعمال اسم الكلدان كثيراً من اليهود هو أنهم تمتعوا بقدر من الحرية والأمان قياساً بالمسببين في بلاد آشور التي كانت دموية وهمجية معهم، بينما كانت بابل مدينة علمية، وفي فترة السبي البابلي كتب اليهود معظم أسفارهم وتواريخهم وأعطوها صورتها النهائية، ودَرَّس النبي دانيال في مدراس بابل (دا 1: 4)، وأصبح الرجل الثالث في السلطة في عهد الملك بليشاصر، بل الثاني عملياً (رئيس وزراء) لأن الملك نبونيدس أبو بليشاصر ترك المملكة وسكن في تيماء ( دا 5:29)، وتم تبديل اسم دانيال النبي إلى اسم بابلي بلطشاصر (دا 1: 7، 2: 26، 4: 8)، ومعناه المُنعم عليه، أو ليحفظ بيل (الإله) حياتهُ، وأصبح حاكماً على كل ولاية بابل، لذلك لم يتمتع دانيال بمكانة محترمة عند اليهود، فهو مؤرخ أكثر منه نبي، وهو أقل قدراً من الأنبياء الباقين، وموضع سفره ليس بين الأنبياء في الكتاب المقدس العبري، بل في القسم الثالث كتوبيم (الكُتَّاب)، ولم يُستشهد بدانيال ورفاقه الثلاثة كأبطال عبرانيين كثيراً  من اليهود لاحقاً في الإسفار التي تُسَمَّى القانونية الثانية وغيرها، لأن اليهود اعتبروه ذو علاقة قوية بالملوك الذين كان اليهود خاضعين لهم، وأشهر تلمود عند اليهود، هو التلمود البابلي، واستعمل اليهود الأشهر البابلية، وبعد عودتهم من السبي شكَّلوا قوة كبيرة، وكونوا مجمعات ومراكز ثقافية في فلسطين باسم، بابل، حتى أن المؤرخ يوسيفوس +100م أصدر نسخة خاصة من دراساته التاريخية لهم. (دائرة المعارف الكتابية، ج3، ص388، 391-392. لقد كتبنا اسم ابن نبونيدس الملك بليشاصر، واسم دانيال بلطيشاصر، لأن الاسمان يأتيان أحياناً متميزان، وأحياناً بنفس الصيغة، وهناك من يعتبرهما واحداً).

 يقول الأستاذ حامد عبد القادر: إن اليونان حين ترجموا الكتاب المقدس سنة 280 ق.م في أيام الملك بطليموس الثاني فيلادلفوس من العبرية إلى اليونانية (الترجمة السبعينية)، ترجموا كلمة كسديا (كشديا)، كسديم العبرية من الأسفار العبرية، إلى كلديا أو كلدان، وأطلقوا على بابل، بلاد الكلدانن، لكن الكلدان أنفسهم لم يكونوا من سكان بابل الأصليين، ويُرجِّح العلاَّمة الألماني هوك ونكلر Winkler، أن نبوخذ نصر وعائلته القوية هي التي أعطت الكلدان مكانة رفيعة في بابل وطغت على غيرها من الأسماء القديمة، بحيث أن مؤرخي اليونان والرومان لم يعتدوا بسواهم من حكام بابل، فكانوا يطلقون اسم الكلدان عليهم، وبذلك أحيوا اسم الكلدان وأماتوا أسماء غيرهم من سكان بابل، فالبابليون يُسَمَّون الكسديين في النصوص العبرية القديمة، لكن اليونان سَمَّوهم كلداناً في الترجمة السبعينية (الأمم السامية، مصادر تاريخها وحضارتها، ص80-81. وسنتطرق لاسم كسديم لاحقاً).

 يقول المؤرخ ديورانت: إن اسم بابل طغى على اسم غيرها من الحضارات بفضل اليهود خاصة بعد أسرهم في بابل، فلم تستفد البشرية من حضارة بابل ما استفادته من حضارة المصريين، ولم يكن فيها من التنوع والعمق ما في حضارة الهند، ولا الدقة والنضوج ما في حضارة الصين، لكن اليهود ببراعتهم الأدبية الفنية وقصصهم الساحرة الجميلة عن بابل، جعلوا منها جزءً لا يتجزأ من قصص أوربا الديني (قصة الحضارة، ج8، 262).

نابو بلاصر ملك بلاد أكد، وليس بلاد الكلدان، وآثار وصلاة نبوخذ نصر هي بالأكدية

إن شعب بابل زمن نبوخذ نصر، أكدي، وليس كلداني، ولغته أكدية، وذكرنا أنه لا يوجد لغة اسمها كلدانية، وحتى الآرامية (السريانية) التي غزت الشرق بما فيها بابل، لم تكن لغة أهل بابل أيام نبوخذ نصر، بل كانت لغتهم هي الأكدية- البابلية، لكن لغة عائلة نبوخذ نصر الحاكمة فقط كانت الآرامية، لأنها عائلة آرامية (حول آرامية عائلة نبوخذ نصر، انظر طه باقر، مقدمة في تاريخ العراق القديمة، ص546. الدكتور حلمي محروس، الشرق العربي القديم وحضاراته، ص96. جورج رو، العراق القديم، ص502. آرامية العهد القديم، د.يوسف قوزي ومحمد روكان، ص21، وغيرهم).

وبقيت اللغة الأكدية بلهجتها البابلية تُستعمل في عهد الدولة الكلدانية (612-539 ق.م.) لكنها بدأت تدريجياً التأثر باللغة الآرامية والأبجدية والخط الآرامي (الدكتور عامر سليمان، قاموس اللغة البابلية-الآشورية، ص99).

واستطاعت الآرامية إزاحة الأكدية وتصبح لغة البلاط البابلي بعد سقوط الدولة الكلدانية، والنصوص الآرامية من عهد نبوخذ نصر نادرة جاءت مع بعض الكتابات المسمارية الأكدية، وأقدم نص آرامي واضح هو من عهد داريوس الفارسي (521-486ق.م.)، وخليفته أحشويروش. (أرنست رينان، التاريخ العام والمنظومة المقارنة في اللغات السامية، Renan, Histoire Générale et système comparé des laitues sémitiques، ص215).

 إن اسم نابو بلاصر هو، أكدي (Nabu-Apla-Usur) معناه، أيها الإله نابو أحمِ الابن، واسم ابنه نبوخذ نصر، أكدي، (نبو Nabo)، (حد Hud) بمعنى حدود، (Nasarum)، يعني الحامي، ومعنى الاسم، الإله نابو حامي الحدود، واسم بلشاصر آخر ملوك الكلدان أيضاً أكدي أيضاً (Belum-Sarum-Usur)، ويعني ليُحمى الملك (الدكتور باسم ميخائيل جبّور، ملاحم تاريخية من الأدب الأكدي، ص204، 172. والمحيط الجامع، ص247، 1292، ودائرة المعارف الكتابية، ج2 ص313، ج8 ص25. و(نبو Nabo) هو ابن الإله مردوخ إله المعرفة عند البابليين وكان يُعبد في بورسيبا).

  ونابو بلاصر، وإن كان آرامياً لكن لقبه كان ملك أكد، وليس ملك الكلدان، تيمناً بالملوك الأكديين والبابليين، وخارج العهد القديم لا يوجد نص واحد من عهد نابو بلاصر وابنه نبوخذ نصر وخلفاءه الأربعة يقول إني ملك كلداني، بل ملك أكد أو بابل، وكانوا يدافعون ويثأرون لبلاد أكد، وليس لبلاد الكلدان، ويقودون معارك الأكديين، وليس الكلدان ونبلائهم، هم نبلاء أكد (الدكتور باسم ميخائيل جبّور، ملاحم تاريخية من الأدب الأكدي، ص206-207).

 وكان الكلدان يعتزون بالدفاع عن بلاد أكد، ويُسَمِّي نابو بلاصر الذي أسقط الدولة الآشورية سنة 612 ق.م.، بلاد آشور، بلاد أكد، فيقول: ذبحتُ بلاد السوبارم، وأرغمت الآشوريين الذين حكموا منذ زمن بعيد على ترك بلاد أكد (جورج رو، العراق القديم، ص505. والسوباريم هو اسم بلاد آشور قبل أن ينزح إليها ويحتلها الآشوريون القادمون من جنوب العراق، وقبلها من الجزيرة العربية، وسيرد لاحقاً المزيد حول السوبارتيين سكان بلاد آشور قبل الآشوريين).

  وسكان بابل أيام نابو بلاصر وابنه نبوخذ نصر يُسَمُّون بلادهم، أكد، وليس بلاد الكلدان، وفي والنصوص المسمارية الأكدية كان الشعب في بابل يفرح ويهتف بانتصار نابو بلاصر وابنه للثار لبلاد أكد (الدكتور باسم ميخائيل جبّور، ملاحم تاريخية من الأدب الأكدي، ص206-207).

 ولم يرد اسم الكلدان في صلاة نبوخذ نصر عند استلامه العرش المكتوب بالأكدية حيث يقول: دونك يا إلهي ماذا كان يحدث، الملك الذي أحببته ودعوتُه، اسمه ظهر الخير منه إليك، رفعت اسمه إلى السماء وهديته السبيل، أنا الأمير الخاضع لك أنا اصنع يدي يا خالقي..إلخ. ووثيقة آخر ملك كلداني نبونيدس وهو السادس، تقول: في شهر أيلول عندما هاجم كورش جيش أكد في اوبس على نهر دجلة، تمرَّد سكان أكد ولكنه (نبونيدس) فتك بهم، ثم احتُلت سيبار وانهزم نبونيدس ودخل كورش بابل وانحنى له كل شعب بابل وسومر وأكد، علماً أن النص يذكر الكوتيين والسومريين أيضاً، بدون الكلدان (جورج رو، العراق القديم، ص517-518).

  لذلك نبوخذ نصر وخلفائهم هم ملوك دولة بابل الأخيرة التي سَمَّاها النبي دانيال، كلدانية، لكنهم ملوك شعب أكدي يتكلم اللغة الأكدية، مثل ما نقول اليوم، دولة السعودية، لكن شعبها عربي. 

ملحمة نابو بلاصر أبو نبوخذ نصر باللغة الأكدية، وهو يثأر لبلاد أكد

صلاة نبوخذ نصر عند استلامه العرش باللغة الأكدية، وأثر له بالأكدية / متحف لندن 

اسطوانتا نبوخذ نصر باللغة الأكدية، واسطوانة بالأكدية من عهد نبونيدس وابنه بليشاصر آخر ملوك الكلدان

ملحمة أويل مردوخ ابن نبوخذ نصر باللغة لأكدية

وشكراً/ موفق نيسكو

 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها