الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

      الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا |                                                                                                                  

 اقرأ المزيد...

بقلم: نينوس صوما  اسعد

     سويد ستوكهولم

 


الموسيقا السريانية الكنسية 

(الجزء الخامس والثلاثون)

بين القوُلوُ والقينثوُ والنغمة والمقام (2)

مفاهيم خاطئة ومنطق غير سليم دخلت الكنيسة السريانية من بابها العريض (باب الصلوات والقداديس) بحجج واهية وأعذار مختلفة وآخرها "مواكبة التطور".  كان على القائمين على شؤون الكنيسة من كهنة وشمامسة وعلمانيين الإلتزام بالتقاليد الكنسية المتوارثة وتراثها الموسيقي، ولا تسمح للجهلة بتغيير هذا التقليد وتشويه هذا الموروث الذي حافظت عليه خلال مسيرة الفي سنة.

كنا قد شرحنا في الجزء السابق من مقالنا عن معاني "قولو" ܩܳܠܳܐ، و"قينثو" ܩܝܢܬܳܐ ونغمة ومقام، لأجل معرفة استخداماتها كمصطلحات موسيقية بشكل صحيح في موسيقانا الكنسية.

ونتابع في جزئنا هذا بقية الموضوع لنوضح فيه ما هو مصطلح "القولو" مع امثلة على استعماله.

بين القولو والمقام

كثيراً ما نطلق لفظة "مقام موسيقي" المنحدرة من العربية والفارسية على اللحن الكنسي السرياني، فنقول خطأً "مقام قدمويو" ܩܕܡܳܝܳܐ اي المقام الأول، عوضاً عن القول "قوُلوُ قَدموُيوُ" ܩܳܠܳܐ ܩܕܡܳܝܳܐ الذي يعني "الصوت الأول"، و"النغمة الأولى" اي سلم المقام او الجنس الموسيقي.

إن مجرد إستعمال لفظة "مقام" في الكنيسة، وإطلاق تسمية "مقام" على اللحن الكنسي كالقول "مقام قدمويو" ܩܕܡܳܝܳܐ أو "ترايونو"، قول خاطئ تماماً، ولا يجوز استعماله لا موسيقياً ولا كنيساُ ولا لغوياً ولا إطلاقه على ألحاننا الكنسية.

إن مصطلح "مقام" له مدلول موسيقي أُطلِق على السلم الموسيقي الكامل "ديوان" المكوّن من ثمانية درجات موسيقية والتي تحصر سبعة أبعاد صوتية مختلفة المسافات فيما بينها.

اما "القولو" ܩܳܠܳܐ في الكنيسة فيتألف من نصف "المقام" اي من نصف السلم الموسيقي أو درجة أكثر أو أقل، ولا يتكون من مقام كامل، لأنه يتألف من أربعة درجات موسيقية فقط وتسمى موسيقياً الجنس، أو من خمسة درجات موسيقية تسمى العقد، أو أحياناً من ثلاث درجات موسيقية فقط، بالرغم من وجود عدد قليل من الأناشيد تتكون ألحانها من "اوكتاف" كامل اي ثماني درجات او اكثر وهي شبيهة بسلم المقام الشرقي لأنها مصاغة على طريقة الألحان البيزنطية، وهذه الألحان القليلة لا تغيّر من الخاصيّة العامة لألحاننا الكنسية بأنها متكونة من اربعة درجات موسيقية، وقد ذكرنا هذا مراراً في مقالنا.

إن إستعمال مصطلح "مقام" سيخلق إشكالية موسيقية في إرثنا الموسيقي الكنسي، لأن الكثيرين سيعتقدون بأن ألحان الكنيسة هي المقامات الكاملة السلالم الموسيقية بعينها. وكذلك تسميات الألحان السريانية (قدمويو الى تمينويو) ستختفي مع الوقت لمصلحة التسميات الشرقية للمقامات الموسيقية إن استمر الحال هكذا دون معالجات وقوانين تضبطها. فالكثيرون يستعيضون بتسميات البياتي، والحسيني والسيكاه، والراست والعجم وغيرها للألحان الكنسية بدلاً عن قدمويو، ترايونو، تليثويو، الخ. وهذا استعمال خاطئ ويشكل خطراً على مستقبل موسيقانا السريانية، لأن الحاننا الكنسية لها تسمياتها الخاصة التي تدل عل شكلها ومحتواها مثل قولو قدمويو، قولو ترايونو، وهكذا، وهذه هي تسمياتها الصحيحة وليس شيئاً اخراً.

نكهة القولو ܩܳܠܳܐ تختلف عن نكهة المقام

إن سلالم ألحان الكنيسة تختلف بأبعادها الصوتية عن سلالم المقامات الشرقية، رغم حجم التشابة الكبير بينها. فمن خلال تجربتي الموسيقية الكنسية الشخصية وتجاربي في كيفية إستخراج عزف الالحان الصحيحة على آلة الكيبورد (بواسطة التحكم في تحديد مقدار عدد كومات ثلاثة أرباع الدرجات الموسيقية المطابقة لسلالم ألحان البيث كازو)، وخاصة تلك التي ينشدها الكهنة والشمامسة الغير متأثرين كثيراً بالمقامات والموسيقا المحيطة بهم خارج أسوار الكنيسة، كنتُ قد توصلتُ بأن الكثير من اجناس "القولهِ" لا تشبه حد التطابق أجناس المقامات الشرقية، إنما هي قريبة إليها، لوجود فروقات واضحة بالكومات بين أبعاد سلالمها الموسيقية، والتي تنتج عدم تشابه الألحان الميلودية المستخرجة من سلالم المجموعتين، وهذا الأمر يشاركني فيه الكثيرين من الموسيقيين وعلى رأسهم الباحث في الموسيقا السريانية الكنسية الموسيقار نوري اسكندر.

فبسبب إختلاف كومات السلالم الموسيقية بين المجموعتين، فإن طعم ونكهة ألحاننا الكنسية تختلف قليلاً أو كثيراً عن نكهة المقامات الشرقية، وكذلك تختلف طرق الإنشاد بينهما، فالإنشاد السرياني يتميز بخصائص محددة غير خصائص الغناء الشرقي العام. راجع مقالنا من الجزء الثالث عشر حتى السادس عشر.

أمثلة على المغالطات المستعملة

1- هل "قولو قدمويو ܩܳܠܳܐ ܩܕܡܳܝܳܐ" هو مقام البيات بعينه كما يقول الادعاء؟

إن مقام البيات يتكون من ثمانية درجات. وسابقاً كانوا يستعملون ديوانين كاملين (اوكتافين) أي ستة عشرة درجة موسيقية لكي يكتمل العمل في المقام بكل ما يحتويه من نغمات وتحويلات وتراكيب موسيقية. (هذا الإستعمال أُبطل اليوم لكسل وإهمال الموسيقيين الشرقيين، وﻹتباعهم الطرق السهلة في العزف والتلحين والغناء). فمقام البياتي ولكثرة الدرجات الموسيقية التي تتعدى الاوكتاف فإن استعماله ينتج ألحاناً واسعة وكبيرة فيها القرار وما فوق الجواب. وأما "قولو قدمويو" ܩܳܠܳܐ ܩܕܡܳܝܳܐ الكنسي وبإعتبار أنه يتكون فقط من اربعة درجات فيتنج ألحاناً صغيرة ضيقة ومحدودة. وبالرغم من التشابه النسبي بين كومات جنس القدمويو والجنس الأدنى لمقام البيات، إلا أن الإختلاف واضح بينهما في نوعية تكوين ألحانهما وفي نكهتها واساليب بناء جملها الموسيقية وحتى جمعها وتسلسلها. بالإضافة الى أن الحان الكنيسة لها طرقها وخصائصها في الإنشاد تختلف كثيراً عن طرق وإنشاد المقامات الشرقية. فكيف إذأ سيكون "قولو قدمويو" ܩܳܠܳܐ ܩܕܡܳܝܳܐ الكنسي هو بعينه مقام البيات أو سيشبهه؟

فمن الخطأ إذاً أن نستخدم تسمية "مقام" عوضاً عن تسمية "قولو" ܩܳܠܳܐ، ومن الخطأ أيضاً أن نطلق تسمية "مقام بياتي" على "قولو قدمويو" ܩܳܠܳܐ ܩܕܡܳܝܳܐ، فالمقام هو مقام، والقولو هو قولو.

أما معنى بيات، فهو مصطلح موسيقي اطلق على نوع نغمة ناتجة من سلم موسيقي معيّن له أبعاده الصوتية وخصائصه الموسيقية. وليس بالضرورة أن يتوافق معنى كلمة بيات الحرفي مع استعمالها كمصطلح موسيقي. فمعنى بيات حسب القواميس العربية هي من بات اي أقام في مكان ما ليلاً، وهذا المعنى لا علاقة له بمعنى واستعمال مصطلح بيات الموسيقي. هناك من أدعى بأن كلمة بيات سريانية ولكن هذا غير صحيح، لأن الموسيقيين السريان القدماء لم يستعملوا مطلقاً مصطلحات موسيقية مثل بيات وغيرها عوضاً عن "قولو قدمويو" وغيره، لأنها غير معبرة عن موسيقانا السريانية ولا عن روحها. فكل أسماء المقامات الشرقية ليست سريانية إنما هي فارسية وعربية وتركية، ومن المعيب حقاً أن نقول عنها سريانية، لأننا بذلك نسرق إنتاجات الشعوب الإخرى وننسبها لأنفسنا.

2- هل قولو شبيعويو ܩܳܠܳܐ ܫܒܝܥܳܝܳܐ هو مقام الصبا كما يدعى البعض؟

إن ܩܳܠܳܐ ܫܒܝܥܳܝܳܐ "قولو شبيعويو" يتكون من ثلاثة درجات موسيقية ويقال لها موسيقياً الجنس الناقص، او يتكون من اربعة درجات موسيقية أي من جنس كامل، أما مقام الصبا الشرقي فيتكون من ثمانية درجات اي من جنسين ليشكلا ديوان كامل. وسيوجد إختلافات في مساحات ألحانهما لوجود اختلافات في مساحات سلالمهما. فسلم الصبا يتكون من: ري، مي هابطة ربع صوت، فا، صول بيمول، لا، سي بيمول، دو، ري. اما سلم "شبيعويو" فإذا أخذناه من نفس الدرجة فيتكون في بعض الاناشيد من اربعة درجات: ري، مي ربع صوت، فا، صول بيمول. وللعلم فإن جنس "قولو شبيعويو" لا يشبه حد التطابق جنس الصبا وإن كان قريبا إليه، بسبب الإختلاف الكبير في توزيع كومات المسافات الصوتية بين الجنسين. وهذا التوزيع للكومات ينتج ألحاناً تحوي اختلافات واضحة.

كما يتكون احياناً ܩܳܠܳܐ ܫܒܝܥܳܝܳܐ "قولو شبيعيو" في أناشيد معينة من اربع درجات موسيقية: ري، مي ربع صوت، فا، صول. اي تلمس درجة الصول بدلاً من الصول بيمول، فيعزف اللحن وكأنه من جنس البيات. مع الإحتفاظ بخاصية توزيع الكومات.

وفي أناشيد اخرى يعزف هكذا: ري، مي هابطة ربع صوت، فا، صول هابطة ربع صوت. وتتكون ابعاد هذا الجنس من: ثلاثة ارباع البعد + ثلاثة ارباع البعد + ثلاثة ارباع البعد. وتوزيع الأبعاد والكومات بين المسافات الصوتية على هذ النحو تنتج ايضاً اختلافات واضحة بين جنسي الصبا و"قولو شبيعويو".

وهناك اناشيد ألحانها لا تتعدى الثلاث درجات صوتية مع لمس السابعة. وتتكون من ري، مي هابطة ربع، فا. مع لمس درجة الدو قرار. وهذا الجنس الناقص ينتج ايضاً نكهة لا تشبه جنس الصبا.

بالإضافة الى كل هذه الإختلافات، هناك إختلاف واضح في طريقة الإنشاد بين مقام الصبا الشرقي و"قولو شبيعويو" السرياني، لهذا لا نستطيع إطلاق مصطلح مقام الصبا على "قولو شبيعويو". كما أن كلمة صبا ليست سريانية كما يدعي البعض.

3- قولو تمينويو ܩܳܠܳܐ ܬܡܝܢܝܐ  أم مقام حجاز

هل "قولو تمينويو ܩܳܠܳܐ ܬܡܝܢܝܐ" هو مقام الحجاز بعينه كما يقول الادعاء؟

- عندما يستعمل البعض في القداديس خطأً تسمية مقام حجاز عوضاً عن "قولو تمينويو" ܩܳܠܳܐ ܬܡܝܢܝܐ، يقعون بخطأ جديد بالإضافة للأخطاء السابقة، ألا وهو عدم معرفتهم بأن "قولو تمينويو" يمكن أن يكون جنس الراست وليس فقط جنس الحجاز.

يوجد في كتاب الألحان السريانية "بيث كازو" مجموعات لحنية تسمى الواحدة منها  ܣܶܒܶܠܬܳܐ "سيبلثو" تحوي جميع انواع القولهِ من القدمويو حتى التمينويو، ويعتمد عليها في اشتقاق نوع اللحن الذي ينشد في القداديس.

فيمكن أن يكون "قولو تمينويو" لهذه المجموعة جنس الراست وليس جنس الحجاز، وهذا ما اكده الموسيقار نوري اسكندر في اشتقاقه لاجناس الموسيقا السريانية الكنسية في كتاب "الموسيقى السريانية" للمطران يوحنا إبراهيم الذي صدر عام 1996.

إن جنس الراست يختلف تماماً عن جنس الحجاز في ابعاده الصوتية، فجنس الحجاز الشرقي يتكون من: ري، مي بيمول، فا دييز، صول. وابعاده الصوتية تتكون من نصف بعد + بعد ونصف + نصف بعد.

أما جنس الراست فيتكون من: دو، ري، مي هابطة ربع صوت، فا. وابعاده الصوتية هي: بعد + ثلاثة ارباع البعد + ثلاثة ارباع البعد.

 فبالرغم من أن جنس الراست يختلف بأبعاده الصوتية عن جنس الحجاز إلا أنه يطلق عليه "تمينويو" في بعض الأحايين، لكونه مشتق في هذه الحالة من ܣܶܒܶܠܬܳܐ مجموعة لحنية معينة سلم لحن التمويونو فيها من جنس الراست وليس من جنس الحجاز، بالرغم من ان جنس الراست اساسي في نظام الألحان الكنسية "إكاديس" وهو "قولو ربيعويو" اي النغمة الرابعة. فالحالة العامة المسلّم بها لدى الجميع هي أن "قولو تمينويو" هو من جنس الحجاز، و"قولو ربيعويو" هو من جنس الراست. ونستطيع تجاوزاً أن نسميها بهذه التسميات لأجل الشروحات ولتبيان الإختلافات.

ولتمييز أجناس موسيقانا السريانية عن اجناس الموسيقا الشرقية، علينا الإحتفاظ بخصائصها الموسيقية وطرق آدائها وقوالب ألحانها التي تكسبها طعماً ونكهة مغايرة لموسيقات الشعوب الأخرى وخاصة المجاورة لنا.  

وأما الإدعاء بأن معنى كلمة "حجاز" مشتقة من "حج العربية" و "ܚܰܓܳܐ السريانية حاجو" فهو باطل وغير صحيح، لأنه يعتمد على التشابه اللفظي للكلمات وليس على جذورها ومعانيها واستعمالاتها.

وهكذا مع بقية السلالم الموسيقية الثمانية لألحاننا السريانية الكنسية الموزونة منها والفالت منها مع صلوات القداديس والمناسبات الأخرى. فهي لا تشبه المقامات الشرقية ولا لسلالم اجناسها بسبب الإختلافات في توزيع الكومات الموسيقية التي تشكل خاصية الأبعاد الصوتية لسلالم موسيقانا السريانية الكنسية، وكذلك بسبب الاختلافات في طرق الإنشاد. والإختلافات في خاصية تسمية السلالم الموسيقية السريانية عن الشرقية التي لا علاقة لها باللغة السريانية بالرغم من ادعاءات البعض ومحاولتهم سرينتها في الآونة الاخيرة.

وفي الجزء القادم سأكمل النقاش حول موضوع تسميات المقامات الشرقية ليكتمل موضوعنا هذا.

يتبع في الجزء السادس والثلاثين

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها